النويري
89
نهاية الأرب في فنون الأدب
وطالت الحرب بينهم ، ثمّ اصطلحت لهيصة وعصمان بعد أن قتل مهدى ، وانضمّوا كلهم إلى الشّيعى ، واشتدّ أمره ، وحاربوا من بينهم من القبائل ، وشنّوا الغارات على من بعد منهم . وبعث الشيعىّ خيلا مغيرة إلى مزاتة ورئيس مزاتة « 1 » يومئذ يوسف القنطاسى ، وكان قدم على إبراهيم بن أحمد فوصله وحيّاه ، وكساه ، وأعطاه جارية ؛ فكبسته خيل الشّيعى ، وأخذوا جميع ما كان له ، وسبوا الجارية ، وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه ، واختفى هو فنجا ، ووصلوا إلى الشّيعىّ بالغنيمة فاصطفى الجارية لنفسه وهى أمّ ولده . فلما رأت القبائل ظهور الشّيعى واجتماع لهيصة له ، وقتل مهدى ، مشى بعضهم إلى بعض ، وأرسلوا إلى مزاته ، فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا إليه بعيالاتهم ويحيطوا به من كلّ جانب ، فتسلمه عصمان ولهيصة ومن معهم ويستأصلوهم . فانتهى الأمر إلى الشّيعى ، فجمع أصحابه كلَّهم بتازرارت ، وجاءت كتامة من أطرافها وأحاطوا به . فخندق على نفسه ، وأشار عليه وجوه أصحابه أن يعتزل الحرب وهم يقاتلون . فشكرهم على ذلك ، وأبى أن يقبله . ووعدهم النّصر ، وحثّهم على القنال ؛ فأخرج كلّ واحد ما عنده من مال وسلاح وكراع ، وتشاوروا فيه ، وكمّلوا عدّتهم وعدّتهم ، فبلغوا سبعمائة فارس ، لا يزيدون ولا ينقصون ، وألفى راجل . والتقوا بعد مراسلة لم تجد شيئا واقتتلوا قتالا شديدا . ودام القتال بينهم ثلاثة أيّام ، ودام في اليوم الثّالث إلى العصر ، وكان الظَّفر لأصحاب الشيعي . وانهزم أولئك ، وتبعوهم وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم والأموال ؛ وتفرّق ذلك الجمع . قال : فبيع الجمال كلّ عشرة بدينار [ 29 ] والحمار بعشر
--> « 1 » تسكن هذه القبيلة في الطريق إلى قفصة وقسطيلية - المغرب ص 14 .